السيد علي عاشور

116

موسوعة أهل البيت ( ع )

مدّة الإمام الذي بعده ، فإن العلّة التي اقتضت بقاءه قد ارتفعت فيعود إلى مقرّه الأبدي . وسوف يأتي توضيح ذلك في الجواب الصحيح . * الجواب الثالث : ما ذكره العلّامة المجلسي قال : ( إن التحرّز عن أمثال تلك الأمور ( كتناول السم ونحوه ) إنّما يكون فيمن لم يعلم جميع أسباب التقادير الحتمية ، وإلّا فيلزم أن لا يجري عليهم شيء من التقديرات المكروهة ، وهذا ممّا لا يكون . والحاصل أن أحكامهم الشرعية منوطة بالعلوم الظاهرية لا بالعلوم الإلهامية ) « 1 » . مراده : أن الإنسان العادي إذا علم أن ما يأكله سم يؤدي إلى الموت فإنّه يمتنع عن تناوله ويتحرّز عنه لعدم علمه بالأسباب الحقيقية للموت وعدم علمه بكيفية موته من غير هذا السم ، إذ لعل الإنسان لو يعلم أن موته سوف يقع بأمر أعظم من السم ، أو أنه سوف يموت أمام أطفاله فيما بعد ، لقبل بموته بالسم هذا ولتناوله من أجل أنه اختار أهون الموتتين وأصلحهما له أو لعياله . امّا أهل البيت عليهم السّلام فهم يعلمون كل التقديرات المكروهة والأفعال التي سوف تحلّ بهم ، فمثلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عندما خرج إلى المسجد الحرام كان يعلم أن كفّار قريش سوف يلقون عليه أثناء الصلاة السل وفضلات الحيوان ، ومع علمه خرج ، وهكذا في كثير من الأمور المكروهة التي تحصل لهم عليهم السّلام . وعليه فالإمام يتعامل بالظواهر في أمثال هذه الأمور كبقية الناس مع علمه بما يحصل ، لذا ورد الحديث الشريف : « نحن صبر وشيعتنا أصبر لأننا نصبر على ما نعلم وهم يصبرون على ما لا يعلمون » « 2 » . وعليه ، فعند ما عرض على الإمام عليه السّلام العنب المسموم فإنّه يتعامل معه على أنّه عنب ، ولا يتعامل معه على أنّه سمّ مميت تنزيلا لنفسه منزلة الأشخاص العاديين . وإلّا لو أراد الإمام التعامل معه على أنه سمّ حقيقي لما تناوله وعندها لا يقع عليه القتل أبدا مع علمه أن اللّه قد كتبه عليه ! ! هذا ما يمكن أن يوجه به جواب العلّامة المجلسي . وفيه : أنّه إن صح لا يفسّر حقيقة علمهم بموتهم . على أنّه التزم بأن فعل الإمام تهلكة إلّا أن تكليفه فيها غير تكليفنا نحن فيها ، وهذا لا ملزم لنا للقبول به ، لما يأتي في الجواب الصحيح .

--> ( 1 ) بحار الأنوار : 48 / 236 تاريخ الإمام الكاظم . ( 2 ) بحار الأنوار : 32 / 175 ح 132 كتاب 35 .